• !
لمياء عبدالله النفيعي

هرجة خاله منيرة

لمياء عبدالله النفيعي

 0  0  18300
لمياء عبدالله النفيعي
"الو .. السلام عليكم كيف الحال .."القابله الهرجه" عند منيرة"

"الهرجة" عادة متبعة لدى نساء مكة ويحرصن على الالتزام بها ولا يتخلفن عن الحضور إلا لظرف ما، عادة تكون ساعة في الضحى أو بعد العصر، حيث يتواعدن للاجتماع في بيت كل واحدة منهن، والتي لم تحضر يبلغهن الأخريات بعبارة متداولة بينهن (الحاضره تعلم الغايبه) حيث يجتمعن في الضحى حتى قبيل آذان الظهر أو من بعد العصر إلى قبيل المغرب، وتجد الحرص في القدوم على الوقت المحدد للعودة مبكرًا إلى منازلهن للقيام بشؤونهن المنزلية.

كانت تلك المجالس تتسم بالبساطة والعفوية في كل شيء حتى في تقديم القهوة والشاي، حيث يجتمعن حول" تلبيبة" الضحى المكونة من " الكراث و"التميس" و"الدقة" و"الفصفص" وغيرها، من دون تكلفة على صاحبة الدار، وكانت ساعة "الضحوية" عبارة عن أحاديث نسائية يتجاذبن فيها أطراف الحديث ويتساءلن عن أحوالهن وبث همومهن والتطرق للمشاكل الحياة، وفرصة لقطع الوقت وسماع القصص والحكايات والنوادر، والأشعار، ومعرفة مع من تمت رضاعته، ومعرفة أعمار الأبناء، ومن خطب فلانة، ومن تزوج فلان، ومتى عاد هذا من السفر، ومن مات، ومن مرض، وفلانة ماذا أنجبت؟! وفي ساعة العصرية تختلف الطقوس قليلا حيث تُقدم المشروبات الباردة ذات المعلبات المتنوعة من فواكه مشكلة، ومن ثم تبدلت بالمشروبات الغازية وبعدها تُقدم القهوة والشاي ويتخللها الأحاديث المعتادة وما يسمعونه من نشرة الاخبار عبر المذياع أو التلفاز حتى قبيل آذان المغرب.

ومع تقدم الزمن استمرت تلك العادة بين نساء الزمن الجميل تتناقل من الجدات إلى الأمهات إذ ظلت هذه الفترة من النهار إلى ما قبل عقود من الزمان وكانت الجارات يحرصن على الالتزام بها، حيث لم يكن هناك تكاليف أو استعدادات مسبقة، كما لم يمكن ثمة اتصالات ودعوات فالكلفة مرفوعة والحال واحد والجار في منزل جاره.

مع تغير نمط الحياة وتباعد الجيران وقلّت زيارات "الضحوية" والانتقال إلى إحياء جديدة، وأصبحت المرأة بين عبء الوظيفة أو الاهتمام بشؤون الاسرة أو حتى النوم إلى ما قبل الظهيرة لتتبدل تلك الساعة "بـساعة المغربية" تُغلب عليها الرسمية والتكلفة والمظاهر الشكلية، فتطورت "الهرجة" وأصبح محور الاهتمام بتقديم أدوات التقديم الزاهية وأطباق الحلويات و المخبوزات والسكريات، واختلفت تلك "السواليف" ليدور الحديث في معظم جوانبه عن المدراس وشؤون المعلمات والطلبة والقبول الجامعي والوظائف والإجازة الصيفية والزواجات والسفريات ولا بأس السؤال عن تلك الوصفة؟ من أعد تلك الفطائر؟ من يبيع هذا النوع من الحلا؟

وذات يوم أُلبي دعوة خاله منيره صاحبة القلب الذهبي ذات "الكاريزما" الجذابة التي لها حضور طاغ وجذب الانتباه إليها بعفويتها،وبشاشة وجهها ولطافة معشرها وحلاوة لسانها، ونوادرها التي تجعلك تضحك من القلب وصاحبة القلب الأبيض ترحب بك ببشاشة وتغمرك بفيض كرمها تشعر كأنك في بيتك، حيث تتشعب محاور أحاديثهن عن غلاء الأسعار وارتفاع البنزين، وعما يجري في العالم الخارجي من حروب وكوارث واقتصاد، وغيرها من مواضيع يحتد فيها النقاش ويختم بذكر المواقف المضحكة تارة والمحزنة تارة أخرى، ومن مواقفها الطريفة والملفتة للنظر بتقدير الوقت حيث وضعت وردة حمراء على طاولة التقديم تهديها لمن تحضر مُبكرًا.

بعد مرور فترة زمنية اختلف مفهوم "الهرجة" في المجتمع النسائي وانتقلت من البساطة إلى التكلف والمبالغة في الانفاق على المظاهر الشكلية حتى تطرق البعض بإحضار متعهدات للضيافة بالقيام بأصول الضيافة من الألف إلى الياء، بغض النظر عن التكلفة المادية، وبثها عبر وسائل التواصل بوصفها أمرًا جيدًا يستحق النشر وغالبًا ما ينتهي به في صندوق النفايات، فالاجتماع مع البعض وتوثيق أواصر المحبة والمودة والكرم محمود ومطلوب ومقبول في كل المناسبات، ولكن غير المقبول والمرفوض كليًا هو أن تتجاوز صور هذا الكرم إلى أعظم درجات البذخ والتباهي والإسراف، أنها ظاهرة سلبية خفية انتشرت في بعض البيوت، وصارت عادة وسجية ينشأ عليها الصغير ولا يستغربها الكبير، فمن المتسبب في انتشار هذه الظاهرة واختلاف مفهموم "الهرجة" وكأنه أمر طبيعي جدًا، فلا بد من رفع معدلات الوعي الأسري والاجتماعي، للحد من تلك الظاهرة وتلافي آثارها المستقبلية وترسيخ ثقافة التيسير والبساطة ومكافحة الإسراف ومظاهر البذخ في تلك التجمعات البسيطة والغاية منها توطيد العلاقات والسؤال عن الأحوال وتوثيق أواصر المحبة وسواليف أكثر عفوية والترويح عن النفس، فما أجمل البساطة في كل شيء من دون تصنع وتكلفة.

ومضة مضيئة
"البساطة هي الفرح الغائب! أعيدوا إحيائها لتعود أفراحها.. لا نحتاج كل هذا التصنع والتحديث لكل شيء"
image

بواسطة : لمياء عبدالله النفيعي
 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر